كاتب يمني
صعود المسيّرات اليمنية... هل بدأت مرحلة جديدة في معادلة الردع؟
الأحد, 23 أغسطس, 2026 - 05:06 مساءً
في تحوّل استراتيجي يعكس توجّه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً نحو تعزيز قدراتها الذاتية وبناء معادلة ردع أكثر توازناً، أعلنت القوات الحكومية إدخال منظومات متطورة من الطائرات المسيّرة اليمنية إلى الخدمة العسكرية الفعلية، وكشفت القوات، للمرة الأولى، عن نماذج مسيّرة جرى تصنيعها وتطويرها محلياً بكفاءات يمنية.
في مؤشر لافت على تنامي قدرات التصنيع العسكري الوطني، وجاء الإعلان خلال جولة تفقدية لوزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، برفقة عدد من القيادات العسكرية، حيث عرض التلفزيون الحكومي مشاهد موثقة لنماذج متنوعة من المسيّرات والأسلحة والآليات التابعة لدائرة التصنيع العسكري، ويمثل ظهور هذه المنظومات علناً تحولاً نوعياً في مسار بناء القدرات الجوية للقوات الحكومية، ويمنح المسيّرات موقعاً متقدماً في معادلة الصراع والردع على الساحة اليمنية
يعد الطيران المسيّر لدى القوات الحكومية اليمنية وسيلة للاستطلاع، وتحول تدريجياً إلى عنصر مؤثر في معادلة المواجهة، فالمعطيات المتاحة تكشف عن ثلاث طبقات من القدرات: مسيّرات تكتيكية وFPV لتنفيذ مهام الرصد والضربات المباشرة، ومسيّرات متوسطة المدى لتحديد الأهداف وتصحيح نيران المدفعية وإيصال الذخائر، إلى جانب قدرات هجومية بعيدة المدى تمثلها طائرات «عيبان» و«نقم» ، ويعكس هذا التدرج تطوراً نوعياً في أدوات القتال، ويمنح القوات الحكومية خيارات أوسع في التعامل مع أهداف مليشيا الحوثي ، فيما يظل حجم القدرات الفعلية ومستوى جاهزيتها القتالية عاملاً حاسماً في تحديد تأثيرها على مسار المعركة.
وفي مقابلة سابقة، كشف وزير الدفاع اليمني أن وزارة الدفاع تمتلك منظومة متكاملة من الطائرات المسيّرة، تضم نماذج محلية جرى تطويرها، إلى جانب طائرات أخرى يتم الحصول عليها عبر الشراء من شركات دولية متخصصة، مؤكداً أن عمليات التعاقد والشراء تتم وفق القواعد والضوابط والقوانين الدولية المعمول بها ، وأوضح أن العمل في هذا المسار يمضي بوتيرة متقدمة، مشيراً إلى أن وزارة الدفاع سبق أن تولّت، باسم الوزارة، شراء طائرات مسيّرة وتجهيزات مرتبطة بها لصالح قوات الساحل الغربي وألوية العمالقة، بما يعكس توجهاً رسمياً لبناء قدرات نوعية في مجال الطيران المسيّر وتعزيز جاهزية القوات الحكومية وتطوير أدواتها في العمليات العسكرية
لم يأتِ انتقال القوات الحكومية اليمنية من مربع الدفاع إلى المبادرة والهجوم بمعزل عن التحولات التي شهدتها بنية القرار العسكري؛ إذ أسهم توحيد القرار تحت مظلة مؤسسات الدولة والحكومة الشرعية، بعد سنوات من التشتت والانقسام وتعدد مراكز النفوذ العسكري، في تعزيز القدرة على التخطيط والتحرك بصورة أكثر تنسيقاً وفاعلية، وتزامن ذلك مع تصعيد حوثي متواصل، خصوصاً بعد إعلان الجماعة انخراطها ضمن ما تسميه «محور المقاومة»، وتصعيد عملياتها وتهديداتها ضد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية في حضرموت ومأرب، فضلاً عن استهداف منشآت وأعيان مدنية ، وفي ظل هذا التصعيد، تبدو المبادرة العسكرية الحكومية أقرب إلى انتقال من سياسة احتواء التهديد إلى فرض معادلة ردع جديدة، تقوم على امتلاك زمام المبادرة واستهداف مصادر التهديد بدلاً من الاكتفاء بانتظار هجمات الحوثيين والرد عليها .
وتتسع مبادرة القوات الحكومية على عدة محاور ضد مليشيا الحوثي، في تحولٍ من الدفاع إلى الهجوم وتهيئةٍ ميدانية لمعركة أوسع لاستعادة ما تبقى من الأراضي اليمنية الخاضعة لسيطرة المليشيا، فيما تسيطر القوات الشرعية على نحو 80% من مساحة البلاد ، وبالتوازي، يجري العمل على إعادة بناء معادلة السيطرة الجوية وكسر التفوق الذي حققه الحوثيون في هذا المجال خلال سنوات الحرب، بما يعزز قدرة القوات الحكومية على الإسناد والاستطلاع والضربات النوعية، ويمهد لمرحلة جديدة في مسار استعادة الدولة.
وعلى وقع الضربات الدقيقة التي تنفذها القوات الحكومية اليمنية، تتكبد مليشيا الحوثي خسائر بشرية متتالية، مع تشييع أعداد كبيرة من قتلاها منذ بدء العمليات ،وفي مواجهة هذا الأثر الميداني، تسارع المليشيا إلى شنّ معركة موازية في الفضاء الإعلامي، عبر التشكيك في حقيقة الضربات ونتائجها، وادعاء أن المشاهد المتداولة مجرد دعاية أو مواد مصممة بالذكاء الاصطناعي، أو أنها مقتطعة من معارك في دول أخرى، في محاولة لحجب الخسائر والتقليل من أثر العمليات على معنويات أنصارها وقواعدها الاجتماعية.
ومع تصاعد الضربات النوعية التي تكبد مليشيا الحوثي خسائر متزايدة، تلجأ الجماعة إلى الرد باستهداف الأعيان والمنشآت المدنية، كما حدث في مساكن النازحين بمأرب وميناء المخا، الذي تعرض، وفق المعطيات المتداولة، لعشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة ، ويأتي هذا التصعيد بالتزامن مع تحركات الحوثيين في باب المندب والبحر الأحمر، وفي سياق إقليمي أكثر توتراً يتزامن مع التصعيد في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق المواجهة وتداخلها مع التطورات الأمنية في المنطقة.
في المحصلة، يمثل إعادة تفعيل سلاح الطيران المسيّر للقوات اليمنية إضافةنوعية إلى منظومة التسليح، ونقلة هامة في مفهوم السيطرة الجوية والردع والإسناد العملياتي ، فهو يمنح القوات قدرات متقدمة في الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات، ورصد تحركات الخصم، وتحديد أهدافه بدقة، ودعم القوات البرية، والتأثير في خطوط الإمداد والانتشار ، ومن هنا، فإن امتلاك هذا السلاح وتطويره ضمن منظومة عسكرية متكاملة يمكن أن يعيد تشكيل ميزان العمليات، ويرفع كفاءة القوات في إدارة المعركة، ويجعل الطيران المسيّر أداة حاسمة في بناء الردع وتحقيق التفوق المعلوماتي والعملياتي في ميدان القتال.
اقرأ ايضاً
آخر الأخبار
كاريكاتير
