مفاوضات الأردن .. بين آمال المختطفين وتعنت الحوثيين
السبت, 21 فبراير, 2026 - 08:07 مساءً
في الوقت الذي يستقبل فيه اليمنيون شهر رمضان الكريم وبعده عيد الفطر بقلوب تتطلع إلى الفرح ولمّ الشمل، تعيش آلاف الأسر اليمنية على هامش الحياة، محرومة من أبسط مظاهر الطمأنينة، موائد الإفطار التي يفترض أن تجمع الآباء بأبنائهم، تحضرها صور الغائبين أكثر مما تحضر الأجساد، وتغيب عنها ضحكات طال انتظارها خلف جدران السجون.
آلاف الأطفال ينتظرون آباءهم منذ سنوات. ينتظرون من يصطحبهم لصلاة العيد، ويشتري لهم ملابسهم الجديدة، ويشاركهم لحظات التخرج والنجاح، غير أن الانتظار طال، ودخل عامه التاسع منذ توقيع اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018، الذي نص صراحة على الإفراج عن الأسرى والمختطفين وفق مبدأ “الكل مقابل الكل”. ورغم وضوح النص، ظل التنفيذ رهين المماطلة والتعنت.
زوجات المختطفين تحولن قسراً إلى معيلات لأسرهن، يواجهن أعباء الحياة في ظل أوضاع اقتصادية منهارة، بينما يقبع أزواجهن في زنازين مظلمة، لا لجرم ارتكبوه، بل بسبب مواقف سياسية أو فكرية، أو لمجرد رفضهم مشروعاً طائفياً مسلحاً.
أمهات المختطفين يقفن على أبواب السجون، يتوسلن زيارة أو معلومة، وغالباً ما يواجهن بالابتزاز المالي مقابل حق مكفول في القانون، معرفة مصير أبنائهن.
هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة (3) المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، التي تحظر الاعتقال التعسفي والمعاملة القاسية والمهينة، كما تجرّم أخذ الرهائن والاحتجاز غير القانوني للمدنيين.
كما يشكل الإخفاء القسري جريمة بموجب القانون الدولي، وفقاً للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006)، والتي تؤكد حق الأسر في معرفة مصير ذويهم وتحظر الاحتجاز السري.
آمال تتجدد وخيبات تتكرر، مع كل إعلان أممي عن جولة مفاوضات جديدة في مسقط أو عمّان، تتجدد آمال الأسر، تترقب الشاشات، تحصي الأسماء، وتعيش لحظات من الرجاء المشوب بالخوف، غير أن هذه الآمال كثيراً ما تتحول إلى خيبة، نتيجة التعنت المتكرر وعرقلة تنفيذ الاتفاقات.
ولم تقتصر الإشكالية على التعطيل، بل تتجاوزها إلى نمط مقلق يتكرر قبيل كل جولة تفاوض، حملات اختطاف حوثية واسعة لمدنيين وأبرياء بتهم كيدية وملفقة، يتم احتجازهم كورقة ضغط جديدة على طاولة المفاوضات.
هذا السلوك يرقى إلى مستوى أخذ الرهائن، وهو محظور صراحة بموجب المادة (34) من اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، والتي تنص بوضوح على حظر احتجاز المدنيين لاستخدامهم في المساومات أو التبادل.
من أخطر الإشكالات التي رافقت بعض جولات التبادل، مبادلة مدنيين مختطفين بعناصر مسلحة شاركت في الأعمال القتالية في مخالفة قانونية جسيمة للقانون الدولي الإنساني الذي يميز بوضوح بين المدنيين والمقاتلين، ويؤكد ضرورة حمايتهم من الاحتجاز التعسفي أو استخدامهم في صفقات تبادل عسكرية، إن إدراج مدنيين مختطفين في صفقات تبادل مع مقاتلين يخل بمبدأ التمييز الذي يعد حجر الأساس في القانون الدولي الإنساني.
إن تحويل معاناة المدنيين إلى أوراق مساومة سياسية أو عسكرية يعد انتهاكاً مضاعفاً انتهاكاً لحقوقهم الفردية، وتقويضاً لجوهر العملية الإنسانية ذاتها.
رغم الرعاية الأممية لجولات التفاوض، فإن استمرار هذا النمط من الانتهاكات يفرض ضرورة مراجعة آليات الإشراف والضغط لضمان الإفراج غير المشروط عن جميع المدنيين المختطفين، والفصل الواضح بين ملف المدنيين وملف الأسرى المقاتلين، ومنع أي حملات اختطاف جديدة قبيل أو أثناء المفاوضات، وايضاً ضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، فالمادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تؤكد أن لكل فرد الحق في الحرية والأمان، ولا يجوز توقيفه أو اعتقاله تعسفا.
المختطفون وأسرهم لا يجيدون حسابات السياسة، ولا يفهمون تعقيدات التوازنات الإقليمية، لكنهم يفهمون معنى الفقد، وألم الانتظار، ووجع الأطفال حين يسألون، متى يعود أبي؟
إن أي عملية سلام لا تضع حرية المدنيين وكرامتهم في صدارة أولوياتها، تظل عملية ناقصة، وأي تفاوض لا يضمن الإفراج الكامل وغير المشروط عن المختطفين المدنيين، هو تفاوض يعيد إنتاج المعاناة بدل إنهائها.
مفاوضات الأردن اليوم تقف أمام اختبار أخلاقي وقانوني حقيقي، إما أن تكون بوابة لإنهاء واحدة من أبشع صور الانتهاك في اليمن، أو أن تتحول إلى محطة جديدة في مسلسل إطالة الألم والمتاجرة بالمختطفين والمخفيين قسراً.
*مدير عام مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة صنعاء
اقرأ ايضاً
آخر الأخبار
كاريكاتير
