الاختفاء القسري.. جريمة مستمرة ومعاناة متجددة
السبت, 30 أغسطس, 2025 - 02:47 مساءً
في الثلاثين من أغسطس من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، مناسبة ترمي إلى تذكير البشرية بجريمة مستمرة ترتكب في الخفاء، لكنها تترك ندوباً غائرة في حياة الضحايا وأسرهم والمجتمعات بأكملها.
الاختفاء القسري جريمة دولية تجرد الإنسان من كرامته وحقوقه الأساسية، وتترك ذويه في دوامة من الانتظار المرير والبحث الذي لا ينتهي. ووفقاً للأمم المتحدة، فإن هذه الممارسة تعد من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان، لما تحمله من حرمان للضحايا من الحق في الحياة والحرية والأمان، وإخضاعهم للتعذيب والعزلة القسرية بعيداً عن حماية القانون.
تمارس مليشيا الحوثي هذه الجريمة بشكل متواصل والتي تعد انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان، والحقوق المدنية أو السياسية مثل حق الفرد في الاعتراف بشخصيته القانونية، والحرية والأمن على شخصه، وعدم التعرض للتعذيب أو لأي ضرب آخر من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وأيضاً الحق في الحياة، في الحالات التي يقتل في الشخص المختفي، والحق في الهوية، وكذلك الحق في محاكمة عادلة وفي الضمانات القضائية، والحق في سبيل انتصاف فعال، بما في ذلك الجبر والتعويض، الحق في معرفة الحقيقة فيما يخص ظروف الاختفاء.
أقسى ما في هذه الجريمة ليس فقط تعذيب الضحايا خلف الجدران، بل ما يعيشه الآباء والأمهات والزوجات والأبناء من عذاب مستمر، ومآسي أسر لا تعرف مصير الضحية، غياب المعلومة وتحويل حياة الأسر إلى رحلة بحث محفوفة بالتهديد والابتزاز المالي، يمثل شكلا آخر من أشكال التعذيب النفسي الممتد، الذي قد يدفع العائلات إلى الانهيار الاجتماعي والاقتصادي معاً.
في اليمن، تحولت هذه المأساة إلى كارثة إنسانية ممنهجة، فمنذ انقلاب سبتمبر 2014، تمارس مليشيا الحوثي سياسة الاختفاء القسري ضد المدنيين والسياسيين والإعلاميين والناشطين، محتجزة مئات الأشخاص في سجون سرية وأماكن غير معلومة، وفي مقدمتهم السياسي السبعيني محمد قحطان المخفي قسرا منذ أكثر من عشر سنوات، وعجز ثلاثة من مبعوثي الأمم المتحدة فقط الكشف عن حالته ومصيره المجهول، وترفض مليشيا الحوثي الكشف عن مصير ضحايا الاختفاء القسري وحالتهم الصحية، كثير من الأسر دفعت مبالغ طائلة مقابل وعود لم تتحقق بالكشف عن أماكن أحبائها، في وقت تعاني فيه البلاد من انهيار اقتصادي خانق وانقطاع رواتب الموظفين لسنوات.
الاختفاء القسري بحسب القوانين الدولية جريمة ضد الإنسانية، والقانون الدولي كان واضحا وحاسما، وأفردت الأمم المتحدة اتفاقية خاصة لضحايا الاختفاء القسري لما تشكله من خطر على حياة الضحايا وأقاربهم وما تسببه من آلام وقهر عليهم، وهي الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006)، والتي أكدت أن هذه الجريمة لا يمكن تبريرها بأي ظرف استثنائي، بما في ذلك الحرب أو الاضطرابات الداخلية، واليمن لم تصادق حتى اللحظة على الاتفاقية بسبب الحرب التي أشعلتها مليشيا الحوثي وكان البرلمان في العام 2011 بصدد المصادقة عليها، وصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الاختفاء القسري كجريمة ضد الإنسانية، لا تسقط بالتقادم، كما نصت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان على حق أسر الضحايا في معرفة الحقيقة وتعويضهم وضمان عدم تكرار هذه الجريمة، لكن رغم هذه المرجعيات والمعاهدات الدولية، يظل الإفلات من العقاب أبرز أسباب استمرار هذه الممارسات في اليمن، إذ لم يحاسب المتورطين في ارتكاب هذه الجريمة كغيرها من الانتهاكات والجرائم التي تمارسها مليشيا الحوثي ضد أبناء الأبرياء.
الاختفاء القسري لا يقتصر أثره على الأفراد وأسرهم، بل يزرع الخوف في المجتمع بأسره بل تمتد آثاره إلى المجتمع، فهو وسيلة لإسكات الأصوات المعارضة وتكميم الأفواه، وبث الرعب بين المواطنين، وفي حين يعاني الضحايا من التعذيب والعزلة، تجد أسرهم نفسها في مواجهة انهيار مادي، إذ يحرمون من عائلهم الأساسي، وتضطر النساء إلى إعالة الأسر في ظروف قاسية، بينما يتخلى الأطفال عن تعليمهم للبحث عن مصدر رزق.
اليوم، وفي هذه المناسبة الأممية، نجدد الدعوات العاجلة للتحرك ونطالب المجتمع الدولي ممارسة ضغط حقيقي على مليشيا الحوثي للكشف عن مصير المخفيين قسراً والإفراج عنهم فوراً، وتسهيل وصول المنظمات الحقوقية والإنسانية إلى أماكن الاحتجاز، وندعو الحكومة الشرعية سرعة التصديق الفوري على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وسن تشريعات محلية تجرم هذه الممارسة، وايضاً على المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام المختلفة والمتنوعة تكثيف جهود الرصد والتوثيق وكشف الجرائم للرأي العام المحلي والدولي.
الاختفاء القسري جريمة مستمرة تمزق النسيج الاجتماعي اليمني وتزرع الخوف واليأس في المجتمع، ومع كل يوم يمر دون كشف الحقيقة أو محاسبة الجناة، وتتضاعف معاناة الضحايا وأسرهم، حان الوقت لتجاوز الإدانات الدولية إلى أفعال، واتخاذ مواقف حقيقية وحازمة دون تراخي أو تخاذل، ولإيصال صوت الضحايا إلى كل من يملك القدرة على وقف هذه الجريمة.
*مدير عام مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة
اقرأ ايضاً
آخر الأخبار
كاريكاتير

الأكثر قراءة
العاصمة اليوم

تقرير حقوقي صادر عن مركز العاصمة الإعلامي
الأحد, 13 أغسطس, 2017

ندوة مركز العاصمة الإعلامي
الأحد, 13 أغسطس, 2017

المرأة في صنعاء لا حرمة لها.. مركز العاصمة الإعلامي يرصد ...
الخميس, 01 يناير, 1970

مركز العاصمة الإعلامي يشهر دراسة بحثية عن استراتيجية إيران ...
الخميس, 01 يناير, 1970
