×
آخر الأخبار
مصادر: استنفار حوثي في صنعاء وحملات ميدانية لاقتياد مدنيين إلى تعز وسط حالة من الإحباط وزارة الداخلية تشدد على أهمية المحافظة على سرية المعلومات والبيانات المرتبطة بالعمليات العسكرية والأمنية في المرحلة الراهنة تقارير تحذر من تحالف نفعي بين الحوثيين و"الشباب" الصومالية لتهديد الملاحة والقرن الأفريقي القوات المسلحة تعلن بدءِ تنفيذِ معركةِ التحرير واستكمالِ استعادةِ مؤسسات الدولة وإنهاءِ الانقلاب رئيس مجلس القيادة يعلن بدء العمليات العسكرية لاستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل التراب الوطني تنفيذي أمانة العاصمة يناقش تفعيل التعبئة العامة استجابة لقرار رئيس مجلس القيادة مبادرة «نصر» تدشن من مأرب باكورة أنشطتها الميدانية ببرنامج للتأهيل البدني القوات المسلحة تنفذ (257) عملية استهداف دقيقة ضد مواقع وقدرات عسكرية تابعة للمليشيات الحوثية ركود الأسواق في صنعاء يضغط على التجار ويعمق معاناة المواطنين خطيب حوثي يحول باب مسجد في صنعاء إلى نقطة لاستقطاب المقاتلين

تعز ليست سهلة الحسم يا حوثيين.. هل أخطأ الحوثيون في معركتهم إلى تعز؟

الأحد, 04 أكتوبر, 2026 - 07:40 مساءً

كانت تعز خلال ثلاثة أيام في قلب محاولة الحوثيين حسم المعركة، لكن ما لم تدركوه أن تعز ليست ساحة سهلة للحسم.

وهنا أطرح السؤال من واقع ما عايشته وما رأيته، وكوني من أكثر الأشخاص الذين تأثروا بأبناء تعز: هل أخطأ الحوثيون في اختيار تعز ساحة لهذه المعركة؟

نعم، اليوم أنا أكتب كصحفي عن أعظم مدينة تدور المعارك في جبالها، مع أحفاد الإمامة، متحدين أن يدخلوها في ثأر أو انتقام لأجدادهم من أحفاد تعز، الذين صنع أجدادهم الثورات في حاضرها ومدنها وأنهوا حكم الإمامة.

نعم، أعتقد أن عليهم مراجعة ما سبق في التاريخ، ومراجعة طبيعة تعز قبل مراجعة الخرائط. أبناء تعز لهم خصوصية مختلفة في علاقتهم بمدينتهم، ومن يخطط لمعركة طويلة فيها عليه أن يقرأ المجتمع قبل أن يقرأ الجغرافيا.

وأنا أرى أن من خطط لكم لمهاجمة تعز ربما أراد استنزافكم وإغراقكم في مواجهة طويلة تُضعف مشروعكم من الداخل. فالمعركة ليست فقط عدد المواقع التي يمكن السيطرة عليها، ولا عدد الكيلومترات التي يمكن التقدم فيها، وإنما ماذا سيحدث بعد ذلك؟

ماذا سيحدث عندما تتحول المعركة من تحرك عسكري إلى قضية اجتماعية؟

ماذا سيحدث عندما تشعر القرى والبلدات أن المعركة أصبحت تستهدف وجودها ومجتمعها؟

هنا تبدأ الحسابات المختلفة.

الرواية التي تكررونها عن أنكم تريدون طرد الإماراتيين والسعوديين من تعز لا تكفي لتفسير المعركة بالنسبة لكثير من اليمنيين. والسؤال الذي يجب أن يُطرح هو: ماذا تريدون من تعز، وماذا تريدون أن تفعلوا بها وبأبنائها؟

أبناء تعز يحبون مدينتهم حد التضحية، ومن يستهدفها سيجد أبناءها في مواجهته. وعلى الحوثيين أن يفهموا هذه الحقيقة جيدًا، وألا يصدقوا الأصوات التي يروّج لها بعض المحسوبين عليهم ممن يدّعون تمثيل تعز، بينما مواقفهم وأفعالهم تقول غير ذلك.

ولا يمكن اختزال تعز في شخص أو قيادي أو مجموعة سياسية. تعز أكبر من ذلك بكثير.

حتى الشخصيات السياسية التي انخرطت في صفوف الحوثيين لا تستطيع أن تختصر موقف مجتمع كامل. فالمجتمعات لا تُقاس بمواقف الأفراد، وإنما بمجموع تاريخها وتكوينها ومصالحها وذاكرتها.

وعليكم أن تراجعوا ما سبق في التاريخ؛ فأبناء تعز غير بقية المحافظات في دفاعهم عن مدينتهم، وهذه ليست مسألة عسكرية فقط، وإنما حالة اجتماعية وثقافية وسياسية متجذرة.

إلا إذا كان هدفكم الانتقام من تعز لأنها وقفت أمام مشروع أجدادكم، فذلك حديث آخر؛ لأنه يعني أن المعركة بالنسبة لكم ليست معركة عسكرية فقط، وإنما ثأر سياسي وتاريخي مع مدينة عرفت بمواقفها الوطنية.

أما أن تتوقعوا سلب تعز عنفوانها التاريخي وانفتها وكبرياءها، فأعتقد أنكم تخطئون في قراءة طبيعتها.

تعز فيها عسكريون وصانعو خطط، وسياسيون ودبلوماسيون، واقتصاديون، ومثقفون، وأكاديميون، وتربويون، وشعراء وإعلاميون.

تعز ليست جبهة عسكرية فقط؛ تعز مجتمع كامل له أدواته وطاقاته وذاكرته.

وأنا أرى أن من خطط لكم لمهاجمة تعز ربما لم يكن يريد لكم إلا الاستنزاف، خصوصًا وأنكم لم ترضخوا لمسار السلام، بل فتحت لكم التطورات العسكرية شهية جديدة.

وقد تكون هذه الانتفاشة نفسها بداية لمعركة طويلة تستنزفكم أكثر مما تحقق لكم من مكاسب.

المشكلة ليست في الأيام الثلاثة

ثلاثة أيام قد تبدو في الحساب العسكري مدة قصيرة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مسار معركة داخل مجتمع كبير ومعقد مثل تعز.

فالحسم العسكري لا يعني فقط التقدم في موقع أو طريق، وإنما القدرة على تثبيت السيطرة، وإدارة المناطق، وتأمين خطوط الإمداد، والتعامل مع البيئة الاجتماعية، ومنع تحول السيطرة العسكرية إلى استنزاف مستمر.

وهنا تكمن المسألة.

قد تستطيع قوة عسكرية أن تتقدم في منطقة، لكن السؤال الأصعب هو: ماذا بعد التقدم؟

هل تستطيع تثبيت وجودها؟

هل تستطيع تأمين الطرق؟

هل تستطيع منع عودة المواجهة؟

هل تستطيع إدارة مجتمع لا ينظر إليها بوصفها قوة محلية؟

هذه الأسئلة أهم من الاحتفال بأي تقدم ميداني مؤقت.

لأن الوصول إلى منطقة شيء، والقدرة على الاحتفاظ بها وإدارة واقعها شيء آخر. وبين الأمرين مسافة كبيرة تحسمها طبيعة الأرض، وقدرة القوات، وخطوط الإمداد، والأهم موقف المجتمع المحلي.

وهنا قد تكون تعز مختلفة؛ لأن أي قراءة عسكرية لها لا تستطيع تجاهل العامل الاجتماعي الذي يحيط بالميدان.

تعز ليست جغرافيا فقط

من يقرأ تعز على الخريطة فقط قد يخطئ في فهمها.

تعز جبال وقرى ومدن وطرق وممرات، لكنها قبل ذلك مجتمع واسع ومترابط، له تاريخ طويل من النشاط السياسي والثقافي والتعليمي.

ولهذا فإن أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة ستواجه، إلى جانب الحسابات العسكرية، حسابات اجتماعية وسياسية وثقافية.

وهذه الحسابات لا تظهر كلها في التقارير العسكرية.

قد لا تظهر في الخريطة، لكنها تظهر في سلوك الناس، وفي قدرة المجتمع على التعبئة، وفي الإعلام، وفي المدارس والجامعات، وفي الشخصيات الاجتماعية، وفي المبادرات الشعبية.

تعز عندما تتحرك لا تتحرك من مكان واحد.

تتحرك من المدرسة والجامعة والسوق والقرية والمدينة، ومن الصحافة والإعلام، ومن النقابات والمجتمع المدني، ومن الأسرة التي ترى أن ما يحدث يمس مستقبل أبنائها.

ولهذا فإن قراءة تعز باعتبارها مجرد محور عسكري قد تكون قراءة ناقصة.

تعز تعرف كيف تستنفر مجتمعها

تعز غير، وأنا أعرف ماذا أقول.

عندما يشعر أبناء تعز أن مدينتهم مهددة، يستطيع المجتمع أن يتحول إلى كتلة متماسكة، وكل شخص يبحث عن الدور الذي يستطيع القيام به.

تخيلوا أن طالبات وطلاب المدارس يحولون مصروفهم إلى احتياجات الجبهة.

هذه تعز عندما تستنفر.

ليس بالضرورة أن تكون المقاومة في الجبهة وحدها؛ هناك من يعمل في الإعلام، وهناك من يدعم، وهناك من يوثق، وهناك من يعالج، وهناك من ينقل الأخبار، وهناك من يفتح بيته للنازحين، وهناك من يقدم ما يستطيع.

وهذه القدرة على التكاتف هي التي يجب أن تدخل في أي حساب عسكري يريد قراءة مستقبل المعركة.

تعز لا تنتظر دائمًا أن يأتيها القرار من مركز واحد؛ فحين يشعر المجتمع بالخطر تتوزع الأدوار، ويصبح لكل شخص موقعه، وهذه واحدة من النقاط التي تجعل قراءة تعز عسكريًا فقط غير كافية.

والتاريخ ليس تفصيلًا

وهذه ليست صورة وليدة اليوم؛ فتاريخ تعز الحديث ارتبط بمحطات وطنية وسياسية مؤثرة.

ففي أربعينيات القرن الماضي كانت تعز حاضرة في نشاط حركة الأحرار، وشهدت لاحقًا محاولة 1955 ضد الإمام أحمد، وهي أحداث تعكس حضور المدينة في الحراك السياسي اليمني قبل ثورة 26 سبتمبر.

وبعد قيام ثورة 26 سبتمبر عام 1962، صدرت صحيفة «الثورة» من تعز في 28 سبتمبر، لتكون من الأصوات الإعلامية المبكرة للثورة، وهو ما يعكس الدور الذي لعبته المدينة في المجال السياسي والإعلامي في تلك المرحلة.

ولم يتوقف حضور تعز عند حدود ثورة سبتمبر؛ فبحسب المركز الوطني للمعلومات، اتخذت الجبهة القومية من مدينة تعز مقرًا لها في مرحلة الإعداد لثورة 14 أكتوبر، وانطلقت من المدينة تحركات مرتبطة بالمحاور المؤدية إلى مناطق الجنوب.

وهنا تحديدًا يجب قراءة تعز في سياقها التاريخي.

هذه المدينة لم تكن في مراحل كثيرة من تاريخ اليمن مجرد مساحة جغرافية، وإنما كانت ساحة للسياسة والفكر والصحافة والحركة الوطنية.

ولهذا فإن التعامل معها بمنطق الحسم السريع قد يتجاهل طبيعة مجتمعها وتاريخها وتنوعها.

من تعز إلى صنعاء

راجعوا حساباتكم جيدًا.

ليس لأنني أقول إن نتيجة أي معركة محسومة سلفًا، ولكن لأن المعارك لا تُقاس دائمًا بنتائج الساعات الأولى.

قد تكون تعز نقطة تحول في المشهد، ليس لأنها ستنتصر تلقائيًا، وإنما لأن استمرار الضغط العسكري عليها قد يفتح سلسلة من التداعيات السياسية والاجتماعية والعسكرية التي يصعب التحكم بها.

وإذا تحولت المعركة إلى استنزاف طويل، فقد يصبح السؤال مختلفًا تمامًا: من الذي استفاد من المعركة، ومن الذي دفع ثمنها؟

وهنا قد تنتقل المعركة من محاولة حسم تعز إلى استنزاف المشروع الذي حاول حسمها.

ومن هنا فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان الحوثيون قادرين على التقدم، وإنما بما إذا كان هذا التقدم سيحقق الهدف السياسي والعسكري الذي دخلوا المعركة من أجله.

فقد تبدأ المعركة بهدف واضح، ثم تفرض تطورات الميدان والمجتمع أهدافًا جديدة لم تكن في الحسابات الأولى.

تعز ليست سهلة الحسم

تعز مدينة لها ذاكرة.

لها تاريخ.

لها مجتمع.

لها ثقافة.

لها إعلام.

لها سياسيون ومثقفون وأكاديميون وعسكريون.

ولها أبناء منتشرون في مختلف محافظات اليمن وخارجها.

ولهذا فإن من يعتقد أن تعز مجرد طريق عسكري عليه أن يعيد حساباته.

تعز التي أنجبت شعراء ومثقفين وإعلاميين وسياسيين ومناضلين، والتي ارتبط اسمها بمحطات مفصلية في تاريخ اليمن، لا يمكن اختزالها في جبهة عسكرية أو طريق جغرافي.

والدرس الذي يقوله التاريخ هنا ليس أن مدينة بعينها لا تُهزم، ولا أن نتيجة أي معركة محسومة سلفًا، وإنما أن المدن ذات الحضور السكاني والثقافي والتاريخ السياسي العميق لا تُقرأ فقط من خلال الخرائط العسكرية.

وتعز واحدة من أبرز الأمثلة اليمنية على ذلك.

لذلك، إذا كانت الحسابات قد بُنيت على أن الضغط العسكري خلال أيام قليلة سيؤدي تلقائيًا إلى حسم تعز، فإن التاريخ اليمني نفسه يقدم أسبابًا تدعو إلى الحذر في قراءة المشهد.

تعز عرفت على مدى عقود كيف تتحول من مدينة إلى مركز سياسي وثقافي وإعلامي عندما تدخل في لحظة وطنية مفصلية.

ولهذا أقولها من موقع من تأثر كثيرًا بأبناء تعز وعرف جزءًا من طبيعتهم:

تعز ليست سهلة الحسم يا حوثيين.

هذه ليست طقطقة، وليست مبالغة.

إنها قراءة لمجتمع له تاريخ وذاكرة وحضور، ومعركة مع مجتمع كهذا لا تُحسم بالضرورة بالطريقة التي يخطط لها أصحاب القرار العسكري.

والسؤال الحقيقي الآن ليس فقط: ماذا حدث خلال ثلاثة أيام؟

السؤال الأهم:

هل أخطأ الحوثيون عندما اختاروا تعز معركةً أرادوا لها أن تكون قصيرة، بينما قد تتحول إلى معركة استنزاف طويلة تغيّر حسابات المشهد اليمني كله؟


اقرأ ايضاً 

كاريكاتير

1