باحث جيوسياسي
أين اختفت الغارات الخاطئة والنيران الصديقة؟
الإثنين, 12 أكتوبر, 2026 - 08:50 مساءً
مع دخول اليمن الربع الأخير من عام 2026، وتحديداً بعد التحولات الاستراتيجية التي أعقبت أحداث ديسمبر 2025 بخروج دولة الإمارات من قيادة التحالف وانفراد المملكة العربية السعودية الشقيقة بقرار التحالف العسكري ودعم الشرعية، طرأ تغيير جوهري على مسرح العمليات العسكرية المنفذة حاليا على مختلف الجبهات لفت انتباه المراقبين العسكريين تمثل ذلك في الاختفاء التام لظاهرة "النيران الصديقة" التي كانت تستهدف وحدات وتجمعات الجيش الوطني اليمني رغم كثافتها وبخاصة على خطوط التماس مع العدو.
هذا التطور الميداني الملحوظ مع اشتدات الضربات والغارات الجوية يعيد فتح ملف من أشد ملفات الحرب اليمنية تعقيداً، ويطرح تساؤلاً جوهرياً: هل كانت تلك الغارات المتعاقبة طوال سنوات الحرب مجرد أخطاء فنية وتنسيقية، أم أنها كانت استراتيجية مقصودة لتقليم أظافر وحدات بعينها في الجيش اليمني لصالح تمكين فصائل وتشكيلات مسلحة موازية؟
في هذا المقال التحليلي المنهجي، نستقرئ تلك الأحداث لنفهم كيف انعكست على الوضع العسكري الراهن.
أولاً: خريطة "النيران الصديقة".. أخطاء أم استهداف ممنهج؟
لاستقراء هذه الظاهرة، يجب العودة إلى توثيق أبرز الضربات التي استهدفت الجيش الوطني اليمني وقياداته، والتي كانت تتزامن دائماً مع لحظات حاسمة من تقدم الجيش إما ضد مليشيا الحوثي أو ضد التشكيلات الانفصالية بدايةً باستهداف معسكر اللواء 23 ميكا في منطقة "العبر" بمحافظة حضرموت (والذي وقع تحديداً في 7 يوليو 2015 ومثل بداية هذه الاستراتيجية التي استمرت تداعياتها لعام 2016 وما بعده).
لم تكن غارة العبر مجرد حادثة عابرة في سجل الحرب، بل كانت "الضربة الاستباقية" الأولى التي أسست لمسار طويل من إعاقة بناء جيش وطني يمني ذو عقيدة موحدة. ففي ذلك المعسكر، كانت تتجمع النواة الصلبة الأولى للجيش الوطني من ضباط وجنود محترفين انحازوا للشرعية، وكانوا يستعدون للانطلاق نحو تحرير المحافظات وأسفرت الغارة عن مقتل العشرات من خيرة ضباط وأفراد الجيش اليمني، وتشتيت آلاف المقاتلين الذين تم تجميعهم وتدريبهم بصعوبة بالغة في صحراء العبر، مما أخر عملية الحسم العسكري في جبهات حيوية لعدة أشهر. كما زرعت الغارة الشكوك الأولى والمبكرة جداً بين ضباط الجيش الوطني وقيادة التحالف.
تلى ذلك ضربة نقطة العلم (عدن - أغسطس 2019) تلك الضربة المكشوفة
التي عُدّت النقطة المفصلية التي أسقطت ورقة التوت عن ضمصطلح "الخطأ" ففي أواخر أغسطس 2019، وأثناء تقدم قوات الجيش الوطني نحو العاصمة المؤقتة عدن لإنهاء تمرد المجلس الانتقالي، شنت طائرات التحالف (التي أقرت الإمارات لاحقاً بتبعيتها لها) سلسلة غارات عنيفة استهدفت أرتال الجيش اليمني في نقطة العلم ومحيط أبين. أسفرت الغارات عن مقتل وإصابة أكثر من 300 ضابط وجندي.
والمبرر المعلن حينها هو استهداف خلايا إرهابية.
لكن الهدف الحقيقي لها كان حماية قوات الانتقالي من الانهيار ومنع الجيش الوطني من السيطرة على عدن وتثبيت واقع الانقسام في الجنوب بقوة الطيران..
وتواصلت تلك الغارات باستنزاف قيادات ووحدات الجيش في مأرب والجوف (2020 - 2022) حيث تكررت الغارات الجوية الاماراتية التي استهدفت تجمعات الجيش الوطني في جبهات مأرب والجوف وصنعاء وتحديداً في معسكرات (كوفل) ومحيط (الميل) وجبهات صرواح ونهم وكانت هذه الضربات تأتي غالباً في توقيتات حرجة يكون فيها الجيش الوطني في وضع هجومي أو يستعد لحسم معركة مع الحوثيين..
وقد شملت هذه الضربات استهداف استراحات ومقرات قيادات ميدانية مؤثرة كانت تُعرف برفضها لمشاريع الارتهان وتصر على استقلالية القرار العسكري اليمني.
وكان المبرر المعلن أخطاء في الإحداثيات وتداخل خطوط التماس
لكن الهدف الحقيقي لها هو منع الجيش الوطني (الذي كان يُصنف من قبل أطراف في التحالف كجيش محسوب على تيارات سياسية معينة) من تحقيق نصر حاسم يمنحه شرعية وقوة على الأرض، وإبقائه في حالة استنزاف دائم (لا يموت ولا ينتصر).
ثانياً: هل حققت استراتيجية "النيران الصديقة" أهدافها؟
على المدى القصير (ما قبل 2025)، حققت هذه الاستراتيجية أهدافها التكتيكية لأطراف معينة في التحالف فقد تم تجميد قوة الجيش الوطني، ومُنعت الحكومة الشرعية من بسط نفوذها على العاصمة المؤقتة عدن، وتم استنساخ وتضخيم تشكيلات عسكرية موازية (كالأحزمة الأمنية والنخب وحراس الجمهورية) وتسليحها لتكون هي القوة الضاربة والبديل الجاهز للجيش الرسمي.
أما على المدى الطويل، فقد ارتدت هذه الاستراتيجية بنتائج عكسية حيث أدى إضعاف الجيش الوطني إلى تمدد الحوثي وتقوية ترسانته العسكرية وأصبح يمتلك مقومات وقدرات عسكرية وصاروخية تهدد السعودية والامن الإقليمي ككل.
ثالثاً: الوضع العسكري الراهن (ما بعد ديسمبر 2025)
مع انفراد المملكة العربية السعودية بقيادة التحالف وإعادة صياغة العلاقة مع مؤسسات الشرعية اليمنية تغير المشهد العسكري جذرياً، ويمكن تلخيصه في النقاط التالية:
- انعدام الأخطاء التنسيقية حيث اختفت بشكل كلي الغارات الصديقة، مما يؤكد أن ما كان يحدث سابقاً لم يكن مجرد قصور تقني في منظومات التوجيه أو غياب للإحداثيات الدقيقة، بل كان "هندسة جيوسياسية" تُنفذ عبر سلاح الجو لضرب قوى بعينها وتمكين قوى اخرى.
- استعادة الثقة في الإسناد الجوي: أصبح الجيش الوطني يتحرك بمرونة أكبر في مسرح العمليات، وبناء خطط هجومية ودفاعية دون "فوبيا" الطعن من الخلف أو استهداف خطوط إمداده ومؤخرته.
- توحيد بوصلة المعركة: مع زوال الغطاء الجوي والسياسي المزدوج الذي كان يرعى التشكيلات الموازية، أُجبرت هذه الفصائل على الاندماج الحقيقي تحت غرف العمليات التابعة لوزارة الدفاع مما جعل الميدان العسكري أكثر نقاءً وتوجهاً نحو مواجهة مليشيا الحوثي.
- مع توحيد القرار العسكري تحول الجيش اليمني إلى حائط صد متماسك لحماية الحدود الجنوبية للمملكة. هذا التماسك يضمن عدم تسرب المليشيات الحوثية أو التنظيمات الإرهابية نحو الأراضي السعودية. وفي السياق الجيوسياسي الأوسع، ترتبط هذه الخطوة عضوياً بـ "رؤية السعودية 2030"، فالمشاريع الاقتصادية الكبرى تتطلب بيئة إقليمية مستقرة تماماً، أو ما يُعرف بـ (Zero Problems). إن تحول اليمن من بؤرة فوضى فصائلية إلى دولة تمتلك مؤسسة عسكرية قادرة على ضبط حدودها ومواجهة الانقلاب، يزيل واحداً من أكبر المهددات الأمنية التي كانت تستنزف موارد المملكة وتؤرق استقرارها.
إن قراءة تاريخ الغارات "الخاطئة" في اليمن يؤكد قاعدة عسكرية وسياسية هامة أنه في الحروب المعقدة، لا توجد أخطاء تتكرر بنفس النمط وبنفس النتائج المستفيدة لسنوات دون أن تكون سياسة ممنهجة.
لم تكن "نيراناً صديقة"، بل كانت أول رسالة جيوسياسية مكتوبة بالدم، تؤكد أن هناك أطرافاً في التحالف لم تكن تريد للحكومة الشرعية أن تمتلك درعاً عسكرياً قوياً ومستقلاً يفرض سيادة الدولة على أراضيها. لقد كانت نقطة البداية لسياسة "قصقصة الأجنحة" التي عانت منها الشرعية طوال عقد من الزمن، والتي لم تتعافَ منها إلا مؤخراً بعد توحيد القرار العسكري وانفراد المملكة بالقيادة.
لقد كان سلاح الجو يُستخدم كمشرط جراح لإضعاف الشرعية وتقوية المليشيات الموازية.. بما يؤدي إلى تقوية العدو الاساسي المتمثل في مليشيا الحوثي الارهاربية.. واليوم، وبعد انقشاع هذا الغمامة وتوحيد القيادة العسكرية وتأمين سماء المعركة من التدخلات التخريبية الداخلية، يقف الجيش الوطني اليمني أمام مرحلة تاريخية لترجمة هذا التعافي الميداني إلى انتصارات حقيقية تنهي الانقلاب وتستعيد الدولة..
اقرأ ايضاً
آخر الأخبار
كاريكاتير
